أبي السعود
55
تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم )
هي عليها بالحذف لما بينهما من المقارنة في أصل المقاربة وليس فيها شائبة الإنشائية كما في عسى وقرئ يخطف بكسر الطاء ويختطف ويخطف بفتح الياء والخاء بنقل فتحة التاء إلى الخاء وإدغامها في الطاء ويخطف بكسرهما على اتباع الياء والخاء ويخطف من صيغه التفعيل ويتخطف من قوله تعالى وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ ( كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ ) كل ظرف وما مصدرية والزمان محذوف أي كل زمان إضاءة وقيل ما نكرة موصوفة معناها الوقت والعائد محذوف أي كل وقت أضاء لهم فيه والعامل في كلما جوابها وهو استئناف ثالث كأنه قيل ما يفعلون في أثناء ذلك الهول أيفعلون بأبصارهم ما فعلوا بآذانهم أم لا فقيل كلما نور البرق لهم ممشى ومسلكا على أن أضاء متعد والمفعول محذوف أو كلما لمع لهم على أنه لازم ويؤيده قراءة كلما أضاء ( مَشَوْا فِيهِ ) أي في ذلك المسلك أو في مطرح نوره خطوات يسيرة مع خوف أن يخطف أبصارهم وإيثار المشي على ما فوقه من للسعى والعدو للإشعار بعدم استطاعتهم لهما ( وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ ) أي خفى البرق واستتر والمظلم وإن كان غيره لكن لما كان الإظلام دائرا على استتاره أسند إليه مجازا تحقيقا لما أريد من المبالغة في موجبات تخبطهم وقد جوز أن يكون متعديا منقولا من ظلم الليل ومنه ما جاء في قول أبى تمام [ هما أظلما حالي ثمت أجليا * ظلاميهما عن وجه أمرد أشيب ] ويعضده قراءة أظلم على البناء للمفعول ( قامُوا ) أي وقفوا في أماكنهم على ما كانوا عليه من الهيئة متحيرين مترصدين لخفقة أخرى عسى يتسنى لهم الوصول إلى المقصد أو الالتجاء إلى ملجأ يعصمهم وإيراد كلما مع الإضاءة وإذا مع الإظلام للإيذان بأنهم حراص على المشي مترقيون لما يصححه فكلما وجدوا فرصة انتهزوها ولا كذلك الوقوف وفيه من الدلالة على كمال التحير وتطاير اللب ما لا يوصف ( وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ ) كلمة لو لتعليق حصول أمر ماض هو الجزاء بحصول أمر مفروض فيه هو الشرط لما بينهما من الدوران حقيقة أو ادعاء ومن قضية مفروضية الشرط دلالتها على انتفائه قطعا والمنازع فيه مكابر وأما دلالتها على انتفاء الجزاء فقد قيل وقيل والحق الذي لا محيد عنه أنه إن كان ما بينهما من الدوران كليا أو جزئيا قد بنى الحكم على اعتباره فهي دالة عليه بواسطة مدلولها الوضعي لا محالة ضرورة استلزام انتفاء العلة لانتفاء المعلول أما في مادة الدوران الكلى كما في قوله عزّ وجل وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ وقولك لو جئتني لأكرمتك فظاهر لأن وجود المشيئة علة لوجود الهداية حقيقة ووجود المجىء علة لوجود الإكرام ادعاء وقد انتفيا بحكم المفروضية فانتفى معلولاهما حتما ثم إنه قد يساق الكلام لتعليل انتفاء الجزاء بانتفاء الشرط كما في المثالين المذكورين وهو الاستعمال الشائع لكلمة لو ولذلك قيل هي لامتناع الثاني لامتناع الأول وقد يساق للاستدلال بانتفاء الثاني لكونه ظاهرا أو مسلما على ابتغاء الأول لكونه خفيا أو متنازعا فيه كما في قوله سبحانه لو كان فيهما آلهة إلا اللّه لفسدتا وفي قوله تعالى لَوْ كانَ خَيْراً ما سَبَقُونا إِلَيْهِ فإن فسادهما لازم لتعدد الآلهة حقيقة وعدم سبق المؤمنين إلى الإيمان لازم لخيريته في زعم الكفرة ولا ريب في انتفاء اللازمين فتعين انتفاء الملزومين حقيقة في الأول وادعاء باطلا في الثاني ضرورة استلزام انتفاء اللازم لانتفاء الملزوم لكن لا بطريق السببية الخارجية كما في المثالين الأولين بل بطريق الدلالة العقلية الراجعة إلى سببية العلم بانتفاء الثاني للعلم بانتفاء الأول ومن لم يتنبه له زعم أنه لانتفاء الأول لانتفاء الثاني وأما